أبي منصور الماتريدي
190
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والآيات التي نزلت مرتبطة بوقائع كثيرة في القرآن الكريم ، وقلما تجد سورة تخلو من آيات مرتبطة بوقائع ، فمن ذلك ما جاء في سورة البقرة : ففي قوله تعالى : وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] أخرج الواحدي والثعلبي من طريق محمد بن مروان والسدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، قال : نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه ، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فقال عبد الله بن أبي : انظروا كيف أرد عنكم هؤلاء السفهاء ، فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال : مرحبا بالصديق سيد بني تميم ، وشيخ الإسلام ، وثاني رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في الغار ، الباذل نفسه وماله لرسول الله ، ثم أخذ بيد عمر فقال : مرحبا بسيد بني عدي بن كعب ، الفاروق القوي في دين الله ، الباذل نفسه وماله لرسول الله ، ثم أخذ بيد على ، فقال : مرحبا بابن عم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وختنه « 1 » ، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله ، ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه : كيف رأيتموني فعلت ؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت ، فأثنوا عليه خيرا ، فرجع المسلمون إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وأخبروه بذلك ، فنزلت هذه الآية « 2 » . وفي قوله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ النساء : 65 ] أخرج الأئمة الستة عن عبد الله بن الزبير قال : خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شراج الحرة ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اسق يا زبير ، ثم أرسل الماء إلى جارك » . فقال الأنصاري : يا رسول الله ، أن كان ابن عمتك ، فتلون وجهه ، ثم قال : « اسق يا زبير ، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدار ، ثم أرسل الماء إلى جارك » ، واستوعب للزبير حقه ، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة ، قال الزبير : فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك « 3 » .
--> - في فهم معاني القرآن » وقال ابن تيمية : « معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية ، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب ، وقد أشكل على جماعة من السلف معاني آيات حتى وقفوا على أسباب نزولها فزال عنهم الإشكال » ( ينظر : الإمام السيوطي : أسباب النزول ، تحقيق وتعليق : قرني أبو عميرة ، مكتبة نصير ، القاهرة ، مصر ، ص 5 ) . ( 1 ) أي صهره وزوج ابنته . ( 2 ) السيوطي : أسباب النزول ( ص 10 ، 11 ) وقال : هذا الإسناد واه جدا ، فإن السدي الصغير كذاب ، وكذا الكلبي ، وأبو صالح ضعيف وانظر الدر المنثور له ( 1 / 69 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 5 / 307 ) كتاب المساقاة باب سكر الأنهار ( 2359 ) و ( 2360 ) ، ومسلم ( 4 / -